صالح الإصلاحي وأمل حظيرة الدجاج
كتبهاالفيتورى مفتاح الفيتورى ، في 16 يوليو 2009 الساعة: 07:14 ص
صالح شاب طموح خرج من مدينته لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، فإنتهى به الحال في مزرعة دجاج للعمل بين الطيور الداجنة بعد أن كان بين كومة أوراق تفيد تحصيل العلم. أصبح يعمل من ضيق الحال في تنظيف الحظيرة وسقي وإطعام الدجاج من الفجر إلى المغرب، وهو الذي كان متفوقا ويحلم بمنصب بعد تحضير رسالة الماجستير.
في يوم من الأيام جلس صالح الإصلاحي كما كن يلقب في الجامعة، وحاول أن يستخدم علمه السياسي مع مجتمع الدجاج، بعد أن وجد صراعا على الطعام في الحظيرة، وان هناك دجاج سمين وآخر نحيف من ذلك، لا ينفع في التسويق وجلب الربح، فهو لم يتعلم البيطرية، ولا طرق الإنتاج الحيواني، أو حتى يفهم في تربية وتغذية وتسمين الدجاج، حتى يحل مشكلة الحظيرة بالطرق العلمية التي تخص الإنتاج الحيواني.
فكر بما يملك من معلومات في مجاله، أن يوزع الطعام بين الدجاج بالميزان، حتى تحصل كل دجاجة على حصتها من حقها العام، وتصبح كلها في وزن واحد، ويضمن من ذلك عدم طرده من صاحب المزرعة، لأنه سوف يبيع كل الدجاجات بعد تسمينها بربح جيد. ولعمل ذلك وجد أن هناك لزوم للورقة والقلم في الحظيرة، رقم الدجاج، وسجل كل دجاجة في كتيب، وقسم صفحات الكتيب إلى خانة عمودية فيها اليوم والتاريخ، واخرى تقابلها فيها الوزن بالجرام.
شعر بعد ذلك أنه طبق على مزرعة الدجاج، ما تعلمه في الجامعة عن العدل والمساواة في المجتمع، وأنه لم يكن مجرد عامل بل خبير يستفيد من علمه بتطبيقه على الواقع، نظم العملية ووضع لكل دجاجة وزن محدد من الطعام، من كمية العلف الكلي، واخذ بعد ذلك يزن كل دجاجة على حدة، ويسجل وزنها بالتاريخ في كتيبات جمعية الدجاج الاستهلاكية. بعد أسابيع قام بعمليات حسابية من معادلات في مادة الاقتصاد التي درسها، ووجد أن جميع أوزان الدجاجات متساوية، أيقن بأن عمليته النظامية نجحت في توزيع الغذاء بالتساوي على كل الأفراد، وان الاستغلال انتهى من الحظيرة، وان الدجاجات الضعيفة التي كانت لا تستطيع أن تنافس للحصول على القدر الكافي من الرزق، أصبحت سمينة في ظل قانون ذلك الكتيب، وتستطيع أن تدافع عن حقها وحصتها من الأرقام الموثقة ان رجعت الفوضى السابقة. من هذه النتائج الإيجابية، اخذ يردد وهو فرح بأن النظام أساس الحياة، وأنه حقق العدل حتى بين الطيور الداجنة، وان استخدام العلم في الحظيرة سوف يجلب أرباحا أكبر، ويحصل من ذلك على راتب مضاعف وتحل جميع مشاكله، ويعود من جديد لمواصلة دراسته المكلفة ويحقق أحلامه المعيشية.
استمر من ذلك في العمل، وحول غرفة مجاورة للحظيرة، كانت تستخدم لبيع وتخزين روث الدجاج كسماد للمزارع المجاورة، إلى مكتب وأرشيف شبيه بنظام البنك يحوي أوراقا وأرقاما وكميات وأوزان، وبعض كتبه الجامعية في العلوم السياسية لعله يستخلص منها بعض الأفكار الجديدة ويطبقها على حظيرة الدجاج حتى تنتج أكثر.
بعد شهور قام بوزن الدجاجات من جديد، وكله ثقة بأن الجميع تحصل على حصته بالتساوي من العلف وبميزان العدل، فوجد أمرا غريبا، هو أن هناك دجاجات أرصدتها سمينة في البنوك، وتنطبق عليها النظرية التي استخلصها من الكتب، وأخرى ضعيفة وهزيلة لم تنل حقوقها وحصتها الكافية من رصيدها الغذائي،
استشاط غضبا وعرف أن موسم الربح من بيع الدجاج سوف يكون فاشلا، ولن يحقق أحلامه ويواصل دراسته، قرر بعد أن تمالك أعصابه ورجوع عقله، معرفة السبب والقضاء عليه قبل نهاية الموسم الذي قارب على إلانتهاء.
اخذ يفكر ويلوم نفسه في مكتب الحظيرة بأنه فشل علميا في تطبيق ما تعلم، فتش في كتبه ولم يجد سببا منطقيا في كتب السياسة يفيد للوصول إلى سبب المشكلة، ثم وجد في بحر أفكاره تعليلا أخر من معلوماته العامة، وهو أن تكون الدجاجات مريضة ولم تستطيع اثر المرض الأكل بصورة صحية تزيد من وزنها، مما سبب في ترك حقها لأرصدة الانتهازيين. ولكن كيف يتأكد من ذلك وهو ليس طبيبا بيطريا يفهم في علم الأمراض وأعراضها؟ حاول أن يفهم المرض بما تعلمه في العلوم الإنسانية وفتح كتبه وبحث، ووجد سطورا تقول إن المجتمعات التي فيها استغلال هي المجتمعات التي تحوي أفراد مرضى نفسيين ليسوا من البشر، حيث يستخدمون كل الحيل من غش وتزوير وكذب وسرقة من أجل الحصول على حقوق الغير من اجل الاستغناء منها على حساب أي شيء أنساني. حاول أن يفهم ذلك على واقع الحظيرة، ووجد أن الدجاج لا يستطيع أن يصل إلى دفاتر حساباته ويزور ويغير الأرقام وكمية الأوزان لصالح أطماع خاصة، كما يفعل الأمناء والمقربون من الدولة. بل شكك في نفسه وقام بمراجعة الأرقام من الأرشيف لعله كان مخطئا، أو عنده قصور علمي أعطى نتائج غير حقيقية، فلم يجد خطأ.
إذاً المشكلة لازالت قائمة والسبب مازال مجهولا.
خرج من مكتبه وترك الأوراق والحسابات والعمل النظري بعد أن فشل في معرفة السبب، إلى الحظيرة لمعرفة المشكلة على الواقع، تفحص الحظيرة من أساساتها إلى جوانبها، ووجد شيئا غريبا، وهو أن الأرض تحتوي على حفر عند أماكن وضع الطعام أو رزق الدجاج، وان جدران الحظيرة بها فتحات، تفتح على المزارع المجاورة، كما لاحظ أن عدد الدجاج زائد أكثر مما هو موثق عنده في السجلات. حاول أن يفهم هذه الظواهر الغريبة في الحظيرة، خصوصاً وأنه يعرف أن الدجاج لا يحفر في الأرض للبحث عن الدود، وأنه ليس له قرون تقدر على أحداث فتحات في الجدران، وأنها دجاج أنتاج لحم لا يبيض حتى يزيد عدده بهذا الشكل. لفهم ما يحدث في الحظيرة، وضع الطعام وبدأ يراقب خلسة لمعرفة أين تذهب خيرات الدجاج، وجد أن الحفر بدأت تخرج منها فئران تشارك الدجاج الطعام، وان فتحات الجدران التي تطل على المزارع المجاورة، يدخل منها الدجاج الجائع من تلك المزارع الفقيرة، الذي يصعب تميزه عن الدجاج الوطني، حيث وجد السبب أنه ينافس دجاج الحظيرة على حقه في حظيرته، ويتركه هزيلا بعد أن تستفيد من وزنه المادي المزارع المجاورة.
رجع بعد ذلك إلى مكتبه ودون قرار بعد فحص كتب القانون الدولي، واخذ يقول وهو يكتب، أن ذلك الدجاج الدخيل على الحظيرة غير شرعي وليس مسجلا عندي في السجلات الرسمية، وان الفئران استغلت الثغرات من عدم محاربة القوارض، مما سبب عدم ترك حتى بقية حقوق لكرامة دجاجات الحظيرة الهزيلة. وهذا الأرشيف سوف أرفعه كتقرير إلى مالك الحظيرة، وأبرئ نفسي من الفشل في أدارة الحظيرة، وما قد ينتج من حدوث خسارة اقتصادية محتملة، وانهيار هذا المشروع، لعدم القيام بالإصلاحات اللازمة ومنع هذه الفوضى والانتهاكات، وتبنيت خيار الحظيرة النموذجية المغلقة والمسيرة بالطرق العلمية الحديثة.
قبل ذلك ذهب إلى ملاك الحظائر المجاورة، وقال لهم امسكوا دجاجكم الذي ستولى على مخزون مزرعتنا، ويكاد يدمر اقتصادنا ومستقبل مشروعنا الوطني. ردوا عليه وقالوا له أنت إنسان متعلم، ونحن مجرد مربي دجاج لا نقرأ ولا نكتب، وعلمك ملأ جيوب دجاجنا ونفخ ريشه على حسب دجاجك بالخطأ. ما هو رأيك لو نعطوك ادارة كل الحظائر وتعطينا العلف بدون علم صاحب الحظيرة {الشعب}، وتكون أنت السيد الأول علينا بدل حلمك الصغير الذي لن يتحقق الا بعد جهد ومشوار طويل من الدراسة، حتى تكون بعد ذلك دبلوماسيا ان حالفك الحظ في أحد المكاتب التي تهش الذباب. و لأنه كان صالح في القول والعمل، وعرف أن القصة مجرد مصالح وليس تعاون وإنتاج مشترك بين المزارع، رد عليهم وقال من علمي ودراستي في السياسة البشرية، أن مثل هذه القرارات العامة ترجع إلى سكان الحظيرة وليس لي أنا كفرد، وذلك من المبدأ الديمقراطي الذي اعرف. قالوا له هذا دجاج ليس له عقل، عقله هو من يدير الحظيرة، ان أراد أي شيء يفعله، من غير الرجوع إلى الدجاج.
قال لهم أنا لست مربي دجاج حتى اقر بما تقلون، بل انا دارس علم ونظريات فيها القرار الأول والنهائي في مثل هذه الأمور يرجع إلى رأي الجموع الديمقراطية، وغير ذلك أمر غير شرعي وفردي دكتاتوري لا أقره على نفسي، بل أطبق واتبع هذا المبدأ الديمقراطي حتى على حظيرة الدجاج، وحتى وان لم يفهم الدجاج ما أقول ونطق ولم ويفصح عن رأيه ابد الدهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج


























أغسطس 23rd, 2009 at 23 أغسطس 2009 7:24 م
بينما يلتقط
مجتمع الدجاج”
بمنقاره حفنة العلف
فانه لايشعر مطلقا بالبيض الذي يلتقط من وراءه”